يمني يكتب عن نصر اكتوبر .. مصر وطن الوجدان والذاكرة العربية الحية
بقلم: د. توفيق الفلاح
هناك بلادٌ تزورها فتعجب بها، وهناك بلادٌ تعيش فيها فتسكنك وتصبح جزءًا لا يتجزأ من ذائقتك ووجدانك وتفاصيل يومك. ومصر ليست مجرد أرضٍ نمرّ بها أو محطة نلتقي فيها على هامش الأعمال والمناسبات، بل هي الدفء الذي يستوعب الجميع، والبيت الذي تجد فيه العروبة معناها الحقيقي دون تكلّف أو تصنّع.
حين تتأمل مصر من الداخل، بين ناسها وشوارعها ومنابرها الثقافية والفكرية، تدرك أن علاقتك بها تتجاوز حد الحدود الجغرافية والأوراق الرسمية. إنها علاقة ممتدة تصنعها المواقف، وترسخها السنوات، وتزداد عمقًا بالارتباط الإنساني والاجتماعي والثقافي الذي يجعل من القاهرة وطنًا ثانيًا لا يشعر فيه العربي ببلادة الغربة أو صعوبة الاغتراب.
ومن هذا المنطلق تحديدًا، تجيء ذكرى انتصار أكتوبر المجيد في كل عام لتستحضر في أذهاننا صورة أكبر وأعمق من مجرد حدث عسكري في تاريخ الحديث. إن نصر أكتوبر لم يكن يومًا شأنًا مصريًا خالصًا، بل كان ملحمة كبرياء عربية أثبتت للعالم أجمع ما يمكن للأمة العربية أن تحققه عندما تتوحد إرادتها، وتتلاقى عزائم أبنائها، وتختلط دماؤهم الزكية على أرض سيناء دفاعًا عن الحق والكرامة.
إن الذاكرة الوطنية العربية تسجل بحروف من نور تلك اللحظات التاريخية التي وقف فيها الأشقاء من مختلف الدول العربية جنبًا إلى جنب مع الجندي المصري البسل، ليقدموا للعالم درسًا أزليًا في أن الأخوة الحقيقية لا تتجسد في الخطابات والبيانات، بل تنبثق في ساعات الشدة والمواقف المصيرية التي تبقى شاهدة على وحدة المصير.
وما يعزز هذا المعنى اليوم هو أن مصر ما زالت، بحضارتها وفنونها ومؤسساتها التعليمية والثقافية، وجهةً تحتضن العقول والقلوب، وتفتح أبوابها لكل جهد تسعى من خلاله الأمة إلى التطوير والتنوير. فالحديث عن مصر بالنسبة لمن عاش على أرضها وشارك أهلها طموحاتهم وأفراحهم، هو حديثٌ عن بلدٍ تعيش فيه وتعيش فيك، يترك أثره الناصع في كل عمل أكاديمي، أو نشاط تدريبي، أو مبادرة ثقافية نبتغي بها رفعة أمتنا.
ستبقى مصر دائمًا الركيزة الجامعة والقلب النابض للعروبة، وسيظل نصر أكتوبر رمزًا خالدًا يُذكرنا جميعًا بأن قوة هذه الأمة تكمن في تضامن أبنائها، وأن الحب الصادق للأوطان هو ذاك الذي يتحول إلى عمل ومواقف ووفاء مستمر لا تغيّره الأيام.